منتدى الخضر

منتدى تربوي تعليمي وتثقيفي يبحث عن الحكمة أينما وجدها أخذها فهذّبها ثم أعطاها


    أزمة المفاهيم

    شاطر

    socio23

    عدد المساهمات : 10
    تاريخ التسجيل : 02/06/2011

    أزمة المفاهيم

    مُساهمة  socio23 في الأربعاء يونيو 08, 2011 1:32 am

    المفاهيم السوسيولوجية


    في خضم الأزمة الخطيرة التي يمر بها العالم اليوم، وعالمنا العربي والإسلامي بصورة خاصة، حيث اختلط فيها حابل الدين بنابل الدنيا، وتشابكت المفاهيم العلمية مع المصالح السياسية، والشؤون الإيمانية مع الشؤون العلمانية، وطغى فيها القوي على الضعيف، ودين فيها المظلوم وبرأ الظالم. وفي سبيل فك الارتباط بين معنى المقاومة من جهة، والإرهاب، من جهة أخرى، راحوا يتحدثون عن صراع الحضارات تارة، وحوار الحضارات تارة أخرى، حتى انتهى صراعهم الحضاري إلى صراع دموي، وحوارهم الحضاري إلى حوار الطرشان.
    في رأيي المتواضع هنا، أن المشكلة الأساسية ليست في صراع الحضارات، لأن الحضارات بالمفهوم السوسيولوجي، لا تتصارع، بل الذين يتصارعون هم الذين عن جهل أو قصد يسيئون معنى الحضارة.
    قد يتساءل البعض عن مغزى الحديث حول هذه المواضيع في مثل هذه المناسبة. إلا أنه في مثل هذه المناسبة بالذات حيث جمعت عدداً من المثقفين، يمكننا تقييم الدور الذي علينا القيام به كطلاب وعلماء اجتماع في هذه المرحلة العصيبة والغامضة التي يمر بها العالم والمنطقة.
    وبالفعل يجب علينا، نحن طلاب وأساتذة علم الاجتماع، تحديد معاني بعض المفاهيم التي طغت على العقلية الجماهيرية بشكل خاطئ، وأحياناً بصورة معكوسة تماماً عن حقيقتها مما أدى إلى ما نراه هذه الأيام إلى ما شبهته بحوار الطرشان. نحن لا نقول أن ما وصلنا إليه في هذه الأيام من فوضى سياسية وانحطاط خلقي واجتماعي يعود فقط إلى هذا الإبهام الكامل، أو شبه الكامل لهذه المفاهيم، إلا أننا نشعر أن عدم الوضوح في عدد من هذه المفاهيم أسهم إلى حد بعيد في تعقيد الأزمة الحاضرة. وسوف أستطلع معكم القليل من تلك المفاهيم الأساسية والمتداولة، غالباً خطأ، في حياتنا اليومية.
    أبدأ أولاً بالمفهوم الحضاري الذي يعتبر الركن الأساسي للعلوم الاجتماعية قاطبة، فالحضارة، تحديداً، هي الهوية التي تكتسبها الجماعة بتفاعلها المستمر ضمن بيئة جغرافية محددة عبر الزمن، وما يحمله هذا الزمن من أحداث تاريخية متعددة ومتنوعة. بكلمة مختصرة، هي شخصية الجماعة تتميز عن غيرها من الحضارات ولا تمتاز. إنها الهوية، والهوية لا تحمل أي صفة أو نزعة فوقية أو دونية، إذا صح التعبير. فالبدوي في الصحراء مثلاً، له حضارته المميزة، كذلك أبناء القبائل في مجاهل الأرض لهم أيضاً حضارتهم المميزة، وأبناء الريف عندنا في الجزائر يعبرون في كثير من مواقفهم وشعائرهم وعاداتهم وتقاليدهم عن تراث حضاري يميزهم في كثير من الأحيان عن أبناء مدينة الجزائر. إن الذي يود التعرف إلى حضارات العالم العربي، مثلاً، لا يحضر إلى القاهرة ولا إلى المدن العربية الأخرى، بل إلى ريفه وقراه، حيث تتضح له معالم الحضارة الأصلية. أن ما تحويه المدينة في معظم أنحاء العالم، من مظاهر يسمونها، خطأ "حضارية"، ليست في حقيقتها سوى مظاهر مدنية ليس إلا. والفرق بين مظاهر المدنية من جهة والمظاهر الحضارية من جهة أخرى، نوعي، والفارق بينهما شاسع. الأولى أفقية، سطحية المعاني، تذهب بالسرعة التي أتت بها. بينما الثانية، أي المظاهر الحضارية، عمودية، عميقة الجذور، ثابتة الأركان، تعبر تعبيراً صادقاً عن شخصية الجماعة.
    من المؤسف حقاً أن نقرأ يومياً في الصحف والمجلات والجرائد للعديد من مثقفينا الذين يخلطون في كتاباتهم بين مفاهيم " الحضارة " و" الثقافة " و" المدنية" بحيث يتحدثون عن الكل أحياناً وكأنها واحدة، وعن الواحدة وكأنها الكل. وهنا أشدد على ضرورة توضيح الفرق بين المفاهيم وتحديد معانيها تحديداً واضحاً. وهذا يضع أساتذة وطلاب علم الاجتماع في موقع المسؤولية.
    ثمة مفهومان آخران لا بد من توضيح معالمهما لا لتشابكهما بل لضرورة ترابطهما، أعني مفهومي الإنماء من جهة، والإنتماء من جهة أخرى. من الصفات المتمركزة في الجزائرالنزعة الفردية ـ المركنتيلية والمتأصلة في نفوس الجزائريين. هذه النزعة تعود في رأيي المتواضع أيضاً، إلى اعتماد الجزائر، عبر تاريخه الطويل، اعتماداً شبه كلي على ركيزة الخدمات. هذه الركيزة، إذا ما اعتمدها مجتمع بشكل مكثف غير متوازن مع الركائز الاقتصادية الأخرى كالزراعة والصناعة، مثلاً، من شأنها أن تولد نزعة فردية ذات صفة مركنتيلية، وهذا ما اسهم إلى حد بعيد في قطع الجذور الحضارية للإنتماء، وتالياً الإنماء. فالإنماء المنشود في النهاية هو إنماء اجتماعي، والإنماء الاجتماعي لا يتم في حضرة هذه النزعة الفردية المركنتيلية الجشعة، حيث يحاول الفرد أن يتعلق على حساب الجماعة.
    المفاهيم الخاطئة الأخرى التي تحتاج إلى توضيح ومعالجة، كامنة في مفهوم ومعنى " الملكية ".

    " إن الطاقة البترولية في عالمنا العربي وإن كانت تتبع من أرضنا، فهي ليست ملكاً لنا ". ولما شعرت بالاستهجان الذي بدا على الوجوه، أسرعت مستدركاً إلى القول: " إن الملكية التي أعنيها لبست الملكية القانونية، بل الملكية الحضارية، لأن هذه الملكية هي الملكية الوحيدة الدائمة والثابتة ". ثم تابعت كلامي قائلاً: " الطاقة البترولية، في عالمنا العربي ليست نتاجاً حضارياً ولا تمت إلى حضارتنا بصلة، فهي ليست تراثاً حضارياً تعتز به ونفتخر، كما أنها ليست حصيلة أي تفاعل بين الإنسان العربي وبيئته الطبيعية لتكسب أي لون من ألوان الملكية الحضارية. إنها لا ترتبط معناً لا فكرياً ولا معنوياً، ولا أخلاقياً، ولا قيمياً، ولا عاطفياً، ولا بأي معنى من معاني الارتباط العضوي. بكلمة أخرى ما زالت الطاقة البترولية عندنا دون هوية، وستبقى كذلك إلى أن نثبت قدرتنا عـلى " تحضيرها "، وهنا يكمن خطرها، فهي لعدم ارتباطها معنا بأي معنى من معاني الارتباط الحضاري تصبح مؤهلة للتفلت منا بسرعة، وفي أي وقت، لتخدم عدونا ( وهذا ما حدث ويحدث) وصديقنا بنفس القوة والفعالية. إنها سلاح فعال بيد كل من يحسن استعماله، ولن تتوانى لحظة واحدة، من حرق الأرض التي خرجت منها، دون وازع او رادع.
    بإختصار كلي، الطاقة البترولية التي يعلق عليها العرب هذه الأهمية الكبرى، لا يمكنها أن تفعل إيجابياً ما أن تنصهر وتذب في هذه البوتقة الحضارية، وما لم تتحول من سلعة برسم البيع إلى نتاج حضاري لا تقدر قيمته بقدرته على التحول من ذهب أسود إلى ذهب أصفر، بل بقدرته على التحول من سائل خارجي إلى نسغ يسري في جميع أنسجتنا الحضارية.
    نحن طلاب علم الاجتماع ، علينا أن نواجه التحدي الكبير عبر السؤال الأكبر:
    هل نستطيع أن نحول المفهوم الخاطئ " للملكية القانونية " بكل ما نملك من طاقات مادية واجتماعية إلى " ملكيات حضارية " لنجعلها ترتبط معنا كما يرتبط الفلاح بأرضه، والمؤلف بكتابه، والعالم بمختبره، والفنان بريشته، والوالد بطفله، والمهاجر بوطنه، والفدائي بأرضه السليب؟
    إن التفاعل الحميم بين الانسان والأشياء يجعل من المتفاعلين وحدة عضوية لا تتجرأ، وتعطي للإنسان ملكاً حضارياً مقدساً، أين منه الملك القانوني الآني المزيف. فشتان بين القول " هذا الكتاب كتابي " والقول " هذه السيارة سيارتي "، وبين القول " هذه الأرض أرضي " والقول " هذا البترول بترولي ".
    وإذا كانت غاية الإنماء بناء الإنسان المجتمعي، فوسيلته الوحيدة الفاعلة هي " التحضير " ( من كلمة حضارة ). فأنا بصراحة لا تهمني كثرة المصانع وضخامتها، ووفرة المدارس وطلابها، وعرض الأوتوسترادات وسياراتها، ومظاهر المدنية وصرعاتها، بل الذي يهمني من جميع هذه القطاعات والنشاطات هو: هل تم ذلك الارتباط العضوي الحضاري بين العامل ومصنعه، بين الطالب ومدرسته، بين السائق وسيارته لدرجة يستطيع جميع هؤلاء أن يدعوا ارتباطهم العضوي معها وملكيتها الحضارية لها.


    mehdia26

    عدد المساهمات : 31
    تاريخ التسجيل : 10/04/2011
    العمر : 24
    الموقع : "*"في ارض بلادي الجزاير "*"

    رد: أزمة المفاهيم

    مُساهمة  mehdia26 في الثلاثاء أكتوبر 25, 2011 1:51 am

    بارك الله فيك استادنا على هدا الطرح الراقي لواقع الامة الدامي

    الشكر موصول لك و بورك في قلمك

    تحياتي لك queen

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 7:40 am